محمد هادي معرفة
80
التمهيد في علوم القرآن
الأمّة . ولوددت أن أدرك أيّامه فأؤمن به وأنصره . فعادت خديجة إلى رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وآله وسلم ) وأخبرته بما قال ، فعند ذلك اطمأنّ باله ، وذهبت روعته ، وأيقن أنّه نبيّ « 1 » . * * * قلت : لا شكّ أنّ قصة ارتباع النبيّ ( صلى اللّه عليه وآله ) بتلك الصورة الفظيعة ، أسطورة خرافة حاكتها عقول ساذجة ، جاهلة بمقام أنبياء اللّه الكرام . ومن ثم فهي إزراء بشأنهم الرفيع ، وحطّ من منزلتهم الشامخة ، إن لم تكن ضعضعة بأقوى دعامة رسالة اللّه ! أوّلا : النبيّ ( صلى اللّه عليه وآله وسلم ) أكرم على اللّه من أن يروّعه في ساعة حرجة هي نقطة حاسمة في حياة رسوله الكريم ، هي نقطة تحوّل عظيم ، من إنسان كامل كان مسؤول نفسه ، إلى إنسان رسول هو مسؤول امّة بأجمعها ، كان قبل أن يصل إلى موقفه هذا العصيب ، يسير قدما إلى قمة الاكتمال الإنساني الأعلى ، في سفرة خطرة كان مبدؤها الخلق ومنتهاها الحقّ تعالى . فكان يسير من الخلق إلى الحقّ . والآن وقد وصل القمّة ، فعاد من الحقّ ، حاملا للحقّ ، إلى الخلق « 2 » . فساعة البعثة هي الفترة الحاسمة ، وهي الحلقة الواصلة بين السفرتين الذاهبة والراجعة ، وهي موقف حرج ، حاشا اللّه أن يترك حبيبه يكابد الأمرّين حينما بلغ قمة اللقاء والآن يريد أن يختاره رسولا إلى الناس ، فيتركه يتلوّى في هواجس مخطرة ، ويروّعه بتلك الصورة الفظيعة التي تكاد تذهب بنفسه الكريمة أو تستحوذ على عقله روعة المنظر الرهيب ! !
--> ( 1 ) راجع سيرة ابن هشام : ج 1 ص 252 - 255 . وصحيح البخاري : ج 1 ص 3 - 4 . وصحيح مسلم : ج 1 ص 97 - 99 . وتاريخ الطبري : ج 2 ص 298 - 303 . وتفسير الطبري ج 30 ص 161 . وحياة محمد ( محمد حسين هيكل ) : ص 95 - 96 . ( 2 ) على ما جاء في تعبير الفيلسوف الإلهي ، الحكيم صدر الدين الشيرازي تقدّم كلامه في ص 57 .